عادل حمودة
كتب
عادل حمودة
Advertisements

عادل حمودة يكتب: مصر "عقدة" بلا علاج لأردوغان

استقبلته القاهرة وكأنه قيصر المنتصر فى الحرب ووجد من يطلق عليه باشا العالم الإسلامى الجديد

سيطر على الإخوان فى مصر وأعلن عن حلف سياسى معهم ومناورات مشتركة ومجلس للتعاون الاستراتيجى

بدأ مشروع إعادة الخلافة العثمانية بالسيطرة على أسواقنا لإنقاذ اقتصاد بلاده من 50 مليار دولار عجزًا فى الميزان التجارى و300 مليار قروضًا خارجية

حزب العدالة والتنمية يعترف بأن جماعة حسن البنا المنظمة الأم لكل الحركات والتنظيمات الإسلامية


أريد أن أحتج على شىء ما.. أن أصطدم بشىء ما.. أن أنتحر من أجل شىء ما.. لم يعد عندى ما أفعله سوى أن ألعب الورق مع ضجرى.. هو يخسر وأنا أخسر.. هو ينتحر وأنا الحق به.

يتحدث أورهان باموق على لسان أحد أبطال روايته «الكتاب الأسود» واصفا عجزه عن التعبير فى تركيا تحت حكم السلطة العسكرية.

لكن لا شىء تغير تحت حكم السلطة الدينية.

خرج باموق ليصف ما تعانيه بلاده تحت حكم أردوغان بجانب سيطرته على التنظيم الدولى للإخوان برسالة إلى المواطن فى بلاده قائلا: إذا لم تكن متشائمًا حتى اليوم فأنت تستحق الثناء - دولة تركيا فظيعة وحالتها السياسية مروعة أيضا لا توجد حرية تفكير أو تعبير ولا توجد ديمقراطية إلا فى صندوق الاقتراع.

وباموق أشهر روائى فى تركيا.. أسقط القداسة عن شخصية كمال أتاتورك فلم ينج من الملاحقات القضائية.. وعندما اعترف بالإبادة الجماعية للأرمن والأكراد كاد أن يسجن لولا حصوله على جائزة نوبل فى الأدب عام 2006.

وأتذكر أننى التقيت به عام 2008 فى اسطنبول القديمة وتوقفت يومها عند حديثه حول العقدة المصرية فى تركيا.

منذ دخل السلطان سليم الأول القاهرة والعثمانيون يؤمنون بأن مصر بوابة العالم العربى وإفريقيا ومفتاح السيطرة عليهما.

ويبدو أن تلك العقدة تضاعف الإحساس بها فى يوم 13 سبتمبر 2011 عندما استقبل أردوغان فى القاهرة استقبال الأبطال.. ونقلت شاشات التليفزيون إلى الدنيا كلها مشاهد تذكر بالدخول الأسطورى ليوليوس قيصر إلى روما.

كتب صحفى فى الوفد: أعيرونا أردوغان لشهر واحد.. وقارنه غيره بجمال عبد الناصر.. واعتبره الإخوان باشا العالم العربى الجديد حسب موريال ميراك وجمال واكيم فى كتابهما: السياسة الخارجية التركية الذى نعتمد عليه كثيرا.

لكن المشهد لم يعدم الأصوات المستوعبة لصورة العثمانيين البرابرة محبى الحرب ومدمنى القسوة الذين حرموا مصر من علمائها وأطبائها وصناعها المهرة وأرسلوهم جبرا إلى أسطنبول ونقلوا معهم المخطوطات العلمية والتاريخية ليتركوها فى ظلام واستبداد وتخلف خمسة قرون.

على أن وصول الإخوان إلى الحكم أعاد إلى أردوغان الأمل فى إحياء خلافة عثمانية جديدة تحلم بأن تكون مصر أولى ولاياتها التى تستغلها اقتصاديا وجغرافيا لتحقق ما يزيد من قوتها ونفوذها فى المنطقة كلها.

بعد تدهور الأوضاع فى سوريا بحث أردوغان عن بوابات وطرق ترانزيت جديدة تحل محل الطرق المارة فى سوريا للحفاظ على تجارتها المتنامية، العرب والأفارقة.

فى 23 إبريل 2012 أعلنت جريدة «زمان توداى» عن افتتاح خط بحرى بين ميناءى مرسين والإسكندرية حيث تنقل السفن السلع التركية التى ستحملها الشاحنات برا إلى السعودية ودول الخليج وأصبح من السهل الوصول إلى الأسواق الإفريقية وسكانها الذين يتجاوزن المليار نسمة عبر مراكز لوجستية أقيمت بالقرب من الحدود الليبية.

رافق أردوغان فى تلك الزيارة نحو 280 رجل أعمال تركى وقعوا اتفاقيات بمليار دولار فى يوم واحد وتعهد برفع قيمة الاستثمارات التركية فى مصر من 1.5 مليار دولار إلى 5 مليارات دولار خلال سنتين وزيادة التجارة بين البلدين من 3.5 مليار دولار إلى 5 مليارات دولار سنويا ورفعها إلى 10 مليارات دولار مع حلول عام 2015.

وفى الأشهر الأربعة الأولى من حكم الإخوان زادت الصادرات التركية إلى مصر من 724 مليون دولار إلى 1.2 مليار دولار.

وعندما رد محمد مرسى الزيارة قدم أردوغان قرضا بمليارى دولار لإعادة هيكلة القطاع العام فى مصر على أن يقبل بمشاركة شركات تركية فى ملكيته.

فى 17 نوفمبر 2012 قام أردوغان بزيارة ثانية إلى القاهرة ليفتتح المعرض التركى المصرى وكان بصحبته هذه المرة 12 وزيرًا و380 رجل أعمال.

كانت فرقة غزو أجنبى غير مسبوقة.. اعتمدت قواعد جديدة تناسب العصر.. بدأت بوحدة الأفكار الدينية.. واتجهت صوب الأهداف الاقتصادية.. لتستقر فى النهاية عند نقطة التبعية السياسية.

ولكن الحقيقة أن ما يوصف بـ المعجزة التركية التى حققها حزب العدالة والتنمية وهما بأسانيد قدمها باحثون تعمقوا فى دراساتها.

الدكتور مصطفى اللباد المتخصص فى الشأن التركى يعترف بكبر حجم الاقتصاد التركى نسبيا إلا أنه اقتصاد تقليدى (منسوجات وسيارات ومفروشات) يستحيل عليه منافسة الصين سعريا فى الأسواق العربية والإفريقية ولا يستطيع منافسة أوروبا نوعيا كما أن نسبة التكنولوجيا فى صادارته محدودة.

ولذلك السبب الجوهرى قدمت تركيا (أردوغان) إلى مصر (مرسى) قروضا لتحفيز استيراد السلع منها بعد أن تراجعت صادراتها إلى حد وجود عجز فى ميزانها التجارى يتجاوز الخمسين مليون دولار ويضاف إليها ديون خارجية تزيد على 300 مليار دولار حسب أحمد النجار بجانب تراجع الاستثمار الخارجى المباشر ونسبة متزايدة فى البطالة حتى انهارت الليرة ليصبح الدولار الواحد يصرف بست منها.

والمؤكد أن إغراء حكومة مرسى بمساعدات اقتصادية تستفيد منها حكومة أردوغان صاحبه برامج حزبية وخرائط عسكرية.

إن حزب العدالة والتنمية ينظر إلى جماعة الإخوان على أنها المنظمة الأم لكل الحركات الإسلامية فى العالم لفرض الخلافة واعتبار أردوغان زعيم الإسلام السنى وأنقرة لا مكة قبلتها السياسية.

ما أن وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم فى عام 2002 حتى نال إعجاب الجماعة فى مصر وما إن وصل أردوغان إلى السلطة فى عام 2007 حتى هنأه مهدى عاكف بفوزه فى الانتخابات.

وفى الكلمة التى ألقاها مرسى فى جامعة القاهرة بعد انتخابه دعا حزب العدالة والتنمية إلى الاحتفال بعقده الأول فى السلطة وجلست زوجته فى الصف الأول وبجانبها السفير التركى.

وسافر خيرت الشاطر ذهابا وإيابا إلى تركيا واعترف بأنه طلب من حزب العدالة والتنمية مراقبة الأمور فى مصر.

وتنفيذا لتعليمات أردوغان قطع مرسى العلاقات مع سوريا واعترف بالدور القيادى الذى تلعبه تركيا فى المنطقة: نحن فى حاجة إلى مساعدتكم فى إدارة البلاد بعد الربيع العربى.

وجاءت نصيحة أردوغان إليه: لا تبدأ زياراتك الخارجية بالغرب أبدأها بالشرق مثلنا وبالفعل كانت أولى رحلات مرسى إلى الصين وبعدها باكستان والهند.

لكن ما وصل إليه أردوغان فى عشر سنوات أراد مرسى الوصول إليه فى عدة شهور.. سيطر أردوغان تدريجيًا على الجيش والصحافة والاقتصاد وأعاد الإسلام إلى الحياة العامة.. بعدها كشف عن ديكتاتوريته التى تضاعفت بعد نجاته من محاولة الانقلاب عليه فيما بعد.. ولكن.. مرسى تصور أن من السهل السيطرة على مصر بإعلان وصفه بالدستورية إلا أن حكمه كان الثمن.. وخرج 30 مليونًا إلى الشوارع وظلوا فيها حتى رحل.

وبرحيله فشل المشروع التركى.. ليس فى مصر وحدها.. وإنما فى دول المنطقة كلها.

فى سبتمبر 2011 وعقب زيارة أردوغان الأخيرة إلى القاهرة كشف وزير خارجيته داود أوغلو لصحيفة نيويورك تايمز عن رغبة مصر وتركيا القويتين عسكريا بتشكيل حلف قوى فى المنطقة.. مضيفا: سيكون ذلك حلف الديمقراطية بين أكبر أمتين فى المنطقة من الشمال إلى الجنوب ومن البحر الأسود إلى وادى النيل فى السودان.

وفى الشهر التالى قامت الدولتان بمناورات بحرية مشتركة تحت عنوان بحر الصداقة تقرر توسعها فى الأعوام التالية لتضم أسلحة أخرى، ولكن ذلك لم يتحقق.

بسقوط حكم الإخوان فى مصر جن جنون أردوغان.. فقد عقله بعد أن فقد حلمه.. ضاعت بوصلته بعد أن ضاع مشروعه.. وأصبحت القاهرة عدوه وعقدته بعد أن كشفت عورته.. وراح يبحث عن بديل.. ولكنه.. دفع ثمنا غاليا من شعبيته وسمعته وسلطته وأعصابه فى شراء ورقة يانصيب كان متأكدا أنها خاسرة.