عادل حمودة
كتب
عادل حمودة

عادل حمودة يكتب: مبارك وأنا.. حكايات شخصية بطعم السياسة

أبو الوفا رشوان قال لى: مبارك يريد معرفة رأيك فى ترشح جمال لانتخابات الرئاسة المقبلة.. فقلت: المؤسسة العسكرية سترفض

إبراهيم نافع أرسل كتابى "النكتة السياسية.." إلى مبارك.. و"الفقى" قال الرئيس يرجوك تأجيل النشر


يقع بلير هاوس أمام البيت الأبيض.. قصر تاريخى يقترب عمره من مائتى سنة.. ينزل فيه ضيوف الرئيس الأمريكى من ملوك ورؤساء أحيانا.

داخل إحدى قاعاته الكلاسيكية التقيت مبارك أول مرة وجها لوجه فى وجود رؤساء تحرير الصحف المصرية بجانب أعضاء الوفد الرسمى المصاحب له فى زيارة واشنطن.

صافحته وأنا أقدم له نفسى فإذا به يفاجئنى (أو يصدمنى) قائلا: أنت بقى عادل حمودة؟ دول شاورولى على واحد تانى.

لم استوعب ما سمعت.. من الذين شاوروا له على واحد تانى؟.. ومن هو الواحد التانى؟.. الأسئلة نفسها طرحها عبد العال الباقورى رئيس تحرير الأهالى فى تقريره الذى كتبه عن الزيارة.. ولم نجد معا إجابة.

ولكن الدكتور أسامة الباز المستشار السياسى للرئيس تدخل فيما بعد لتقديم إجابة مرضية قبل أن تتحول الواقعة إلى نميمة قائلا: الرئيس بيهزر معاك.

كان ذلك فى عام 1995 وكنت وقتها مسئولا عن تحرير روزاليوسف.

أما المرة الأخيرة التى التقيت فيها مبارك وجها لوجه فكانت بعد عشر سنوات من تلك الواقعة فى اجتماع مع رؤساء التحرير.

يومها فوجئت به يقول: أنت بتعط فين؟ طلبناك فى كل التليفونات وما ردتش.

ولم يكن ذلك صحيحا.

أما السبب فهو أن بعض رجاله أحسوا بأنه يثق فيما أقول عندما يسألنى عن شىء ما بعيدا عن العلن دون أن أستغل ذلك ولو بالحديث عنه فكان لابد من إبعادى ولو بالكذب على الرئيس.

والحقيقة أنه يصف قلمه بأنه تقيل وكثيرا ما تجاوز الحدود.

لكن مبارك كان له مقياس خاص فى وطنية الكتّاب: ألا تكون لهم مصلحة خاصة أو يخدمون سيدا خفيا لا يمت بصلة للحقيقة وكثيرا ما ذكر بعضهم بالاسم محددا الشركة أو الدولة التى يخدمونها بأقلامهم.

فى عام 2005 فوجئنا بتغيير المادة (76) من الدستور لتتحول شرعية الرئيس من الاستفتاء إلى الانتخاب وتزامن ذلك مع صعود نجم جمال مبارك وتزايد الحديث عن التوريث.

بدا ذلك التغيير نوعا من الإصلاح السياسى أجبر عليه ليخفف من ضغوط المحافظين الجدد فى الولايات المتحدة ودلل على ذلك بوصول 88 عضوا من الإخوان إلى مجلس الشعب فى العام نفسه.

بل إن بعضا منهم حضر حفل استقبال فى الرئاسة بمناسبة تعديل المادة (76).

وأتذكر أننى يومها أبديت مخاوفى من استغلال الإخوان من بقاء المادة الثانية من الدستور (الشريعة مصدر للتشريع) دون أن تمسسها التعديلات فقال لى: أضفنا مادة تحرم وجود أحزاب دينية.

كان اللواء أبو الوفا رشوان السكرتير الخاص للرئيس قد اتصل بى تليفونيا بعد صدمة وصول الإخوان إلى مجلس الشعب طالبا منى بتكليف من مبارك ترشيح أسماء يختار منها الرئيس النواب العشرة الذين يعينهم وبذلت جهدا فى البحث، ولكن لم يؤخذ اسم واحد ممن رشحت.

كان أبو الوفا آخر الوسطاء بينى وبين مبارك.

كان مبارك إذا ما أراد توصيل رسالة ما إلى أحد يبحث عن شخص يعرفه جيدا لتوصيل الرسالة إليه.

كان الدكتور مصطفى الفقى وسيطا جيدا وقت أن كان مدير مكتب الرئيس للمعلومات وحمل إلىَّ منه أكثر من رسالة.

واحدة تنفى خبرًا نشرته روزاليوسف عن معاش استثنائى منحته الرئاسة إلى أسرة الدكتور فرج فودة الذى اغتيل فى 8 يونيو 1992.

وأخرى تنفى اتهام السادات بقتل الفريق الليثى ناصف يوم 24 أغسطس 1973 فى لندن - حسب ما ادعت زوجته السيدة شفيكة وابنته المهندسة هدى.

كان الليثى ناصف قائد الحرس الجمهورى الذى قبض على رجال عبد الناصر الذين اتهمهم السادات بالانقلاب عليه فى 15 مايو 1971 ومات بعد سقوطه من عمارة ستيورت تاور التى سقطت منها سعاد حسنى أيضا فيما بعد.

بل إن مبارك طلب من الفقى نشر شهادته عن الحادث فى روزاليوسف وكان وقت حدوثه دبلوماسيا فى لندن وتولى الإشراف على إجراءات شحن الجثمان إلى القاهرة.

لكن قبل ذلك بعامين تقريبا طلب منى الفقى تخفيف الفصل الخاص بمبارك فى كتابى «النكتة السياسية كيف يسخر المصريون من حكامهم؟» وكان الناشر قد دفع به إلى مطابع الأهرام التجارية، ولكن إبراهيم نافع أرسله إلى مبارك ليراجعه.

قال لى الفقى: إن الرئيس يرجوك تأجيل ذلك الفصل حتى تخف الحملة الساخرة التى شنها العراقيون والفلسطينيون عليه بعد أن شاركت مصر فى حرب تحرير الكويت.

وبعد صراعات فى الكواليس خرج الفقى من الرئاسة وطلب أن نلتقى على غداء فى النادى الدبلوماسى وراح يشرح لى كواليس ما جرى له.

كتبت فى الصفحة الأخيرة من روزاليوسف مقالا بعنوان: «بعد أن تذهب السلطة» عبرت فيه عن احترامى وتقديرى للدكتور مصطفى الفقى وأنصفته قائلا: إنه بقى فى منصبه الرئاسى ثمانى سنوات لن يحظى أحد من بعده بها.. وهو ما كان فعلا.

لم تمر سوى أيام معدودة حتى قابلت أحد رجال مبارك ممن ظلوا بجانبه حتى يومه الأخير فى الحكم وفوجئت به يقول فى حدة: هل معقول تمدح شخصا أطاح به الرئيس؟ وقبل أن أعلق بالحدة نفسها وجدت من يضغط على يدى كى أتجاهل ما سمعت.

وقبل أن يخرج الفقى من الرئاسة كان هناك وسيط آخر متميز هو الدكتور أسامة الباز.

كان بينى وبين الباز سنوات طويلة من الصداقة بدأت بعد حرب أكتوبر عندما عين مسئولا عن العلاقات الخارجية فى منظمة الشباب ويومها أجريت معه أول حوار أدلى به فى حياته العامة، قويت بعده جسور الثقة حتى وصلت إلى التشاور فى حياتنا الخاصة.

كانت أزمة القانون 93 لسنة 95 أكثر الأزمات صعوبة وطلب مبارك من الباز أن أشارك فى حلها بعد أن غضب الصحفيون واعتصموا فى نقابتهم فى جمعية عمومية مفتوحة تضاعفت سخونتها بعد رسالة هيكل الشهيرة إليها: سلطة شاخت فى مواقعها.

فى القرية النوبية على نيل فندق ميرديان (جراند حياة) طلبت من الباز ألا يواصل مبارك تصريحاته حول القانون وأن تشكل لجنة تضع تشريعا بديلا وتحمست لاختيار صلاح عيسى رئيسا لها واعتذرت عن المشاركة فيها وخطوة خطوة تقبل مبارك إلغاء القانون الذى وصفته بقانون اغتيال الصحافة.

آخر الوسطاء بينى وبين مبارك كان أبو الوفا رشوان الذى ظل محبا مخلصا له، رغم أنه لم يسانده فى مواجهة مؤامرة الإطاحة به قبل تظاهرات يناير بسنوات قليلة.

فى عام 2005 طلب رشوان أن ألقاه ذات صباح يوم جمعة أمام نادى الشمس فى مصر الجديدة وبعد أن تركنا التليفونات المحمولة رحنا نمشى فى مضمار الخيل بأحذية رياضية.

فجأة قال لى سكرتيره الخاص: الرئيس يريد أن يعرف رأيك لو جمال ترشح فى الانتخابات الرئاسية التى ستجرى بعد شهور.

صدمت مما سمعت وكان ردى سريعا: المؤسسة العسكرية لن تقبل ذلك، ورغم أن مبارك ابن لها فإنها ربما ترغم على التخلى عنه شخصيا.

لكن الرجل طلب أن أفكر فى الأمر بترو على أن نلتقى بعد أسبوع ليسمع منى رأيى النهائى.

يوم الجمعة التالى وعلى دكة بواب عمارة شقيق أبو الوفا فى المهندسين تكرر السؤال ولم أغير الإجابة.

ولم يترشح جمال ولكن بدأ التمهيد لترشحه فى الانتخابات الرئاسية التالية بتغييرات واضحة فى الحكومة والصحافة والبنوك والغرف التجارية وتغيير بروتوكول التعامل معه ليكون بروتوكول رئيس جمهورية.

تلك الوقائع تؤكد أن مبارك لم يكن عنيدا كما أشيع، واختار أسلوبا خاصا فى اختيار مستشاريه، والأهم أنه لم يكن مؤذيا ولا يكذب وعندما قامت القيامة ضده لم يأخذ وقتا لكى يتنحى عن الحكم.

وشاء القدر أن يرحل عن الدنيا فى نفس الشهر الذى رحل فيه عن الحكم.

وشاء القدر أن يتوفاه الله بعد براءة ولديه من آخر قضية اتهما فيها وكانا ولا شك نقطة ضعفه وسر أحزانه.

والأهم أن المؤسسة العسكرية لم تنس أنه أحد رجال أكتوبر فكرمته بجنازة عسكرية غسلت كثيرا مما ترسب على جدران القلب من ألم.

أما سياسيا فأفضل ما قيل حتى الآن: له ما له وعليه ما عليه.

والجملة صندوق مغلق لن يفتح إلا فى الوقت المناسب.

والوقت المناسب يحدده التاريخ.

والتاريخ بطبيعته يفضل الانتظار.